الرئيسية || مقالات || آداب طالب العلم

آداب طالب العلم

بسم الله الرحمن الرحيم



إن من خير ما تعمر به الأوقات الاشتغال بالعلوم الشرعية، طلباً وتحصيلاً ، مذاكرة وتعليماً ، فطلب العلم الشرعي من أفضل القربات وأجل الطاعات، ولذا اهتم كثير من العلماء قديماً وحديثاً ببيان الآداب التي ينبغي أن يتأدب بها طلاب العلم؛ فهي حليته ووسيلته إلى الفلاح والنجاح، كما بيّنوا الأخلاق المحمودة ، والأخلاق المذمومة في الطلب ، والتي تكون معرفتها والعمل بها – امتثالاً وتركاً- سبيلاً لنيل مايريد من العلم ، وتحصيل ثمرته ، ومن أهمها :

1/ إخلاص النية لله تعالى:
فالعلم طاعة وعبادة ، والإخلاص لله تعالى واجب في جميع العبادات وسائر الطاعات، قال تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ {5}) سورة البينة .
والإخلاص في العلم أن يبتغي به وجه الله تعالى ، فإذا كان هَمُّ طالب العلم تحصيل شهادة، أو تبوء منصب لكسب منافع مادية فحسب ؛ فإنه لا يكون مخلصا في طلب العلم .
عن أبي هريرة – رضي الله عنه- قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم-: ((من تعلّم علماً مما يبتغَى به وجه الله – عز وجل- لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة)) يعني ريحها .أخرجه أحمد (2/338)، وأبو داود (3664)، وابن ماجه (252)، وصححه الحاكم (1/160)، والنووي في رياض الصالحين.
وقد حثنا النبي صلى الله عليه وسلم على إخلاص النية لله تعالى، كما في حديث عمر المتفق عليه: (( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى .. )) الحديث. رواه البخاري (1)، ومسلم (1907).

وقد اعتنى العلماء بهذا الحديث وصدّروا به كتبهم؛ لعموم الحاجة إليه، كما قال الخطابي، فهذا البخاري – رحمه الله- قد صدّر كتابه الصحيح بهذا الحديث، فقال العلماء: هو خطبة كتابه، حيث لم يكتب له مقدمة، والقصد من ذلك تنبيه طلاب العلم على تصحيح النية، وإرادة وجه الله تعالى، ونهج نهجه النووي، والبغوي ـ في عدد من كتبهما ـ وغيرهما من المصنفين.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: ” لو صنفت كتاباً بدأت في أول كل كتاب منه بهذا الحديث”.
قال الإمام أحمد : ” العلم لا يعدله شيء لمن صحّت نيته “، قالوا: كيف ذلك ؟ قال: ” ينوي رفع الجهلَ عن نفسه وعن غيره ” .
وقال ابن جماعة الكناني بعدما بيّن فضل العلم: ” واعلم أن جميع ما ذكر من فضل العلم والعلماء إنما هو في حقّ العلماء العاملين الأبرار المتقين، الذين قصدوا به وجه الله الكريم، والزلفى لديه في جنات النعيم ، لا من طلبه بسوء نية، وخبث طوية ، أو لأغراض دنيوية ، من جاه أو مال أو مكاثرة في الأتباع والطلاب ” . (1)
وقال أبو يوسف : ” أَريدوا بعلمكم اللهَ تعالى، فإني لم أجلس مجلساً قطّ أنوي فيه أن أتواضع إلالم أقم حتى أعلُوَهم، ولم أجلس مجلساً قط أنوي فيه أن أعلوهم إلا لم أقم حتى اُفْتَضَح “(2)

2/ تقوى الله – عز وجل-:
فالعلماء هم أعرف الناس بالله وأتقاهم له، قال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ {28}) سورة فاطر. وبالتقوى يزداد العالم علما ، وبالعلم يزداد التقي تقوى قال تعالى: (وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ {282}) سورة البقرة. وقال تعالى: ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا {2} ويرزقه من حيث لايحتسب… ) سورة الطلاق . ومن أعظم الرزق العلم النافع .

والتقوى هي جماع كل خير، ووصية الله للأولين والآخرين، قال تعالى في سورة النساء: (وَللّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا {131}).
وقال – عز وجل- في سورة الأنفال: ( يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ {29}) .
أي يجعل لكم ما تٌفرقون به بين الحق والباطل، وبين الصحيح والسقيم، وبين الغث والسمين، وذلك إنما يكون بنور العلم وميزانه، ونبراسه ومقياسه، فالعلم ثمرة من ثمرات التقوى، والتقوى سبيل إلى نيل العلم ، والعلم يرقى بصاحبه إلى أعلى درجات المعرفة بالله، والخشية من الله، ولهذا يؤثر عن الشافعي – رحمه الله- أنه قال‏:‏

شكوت إلى وكيع سـوء حفظـي فأرشـدني إلى ترك المعــاصي



وأخبرنـي بأن العلـم نــــور ونـور الله لا يهدى لعـاصـي



ومن أول ما يدخل في ذلك القيام بشعائر الإسلام وظواهر الأحكام: ومن ذلك المحافظة على الصلاة في المساجد، وإفشاء السلام للخواص والعوام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإظهار السنن، وإخماد البدع، وغير ذلك من الأحكام الظاهرة ليحصل التأسّي به، وليصون عرضه عن الوقيعة والظنون المكروهة.

ومن ذلك أيضاً المحافظة على المندوبات الشرعية القولية والفعلية:

ومن ذلك تلاوة القرآن الكريم بتفكّر وتدبّر، والإكثار من ذكر الله تعالى بالقلب واللسان، والإلحاح في الدعاء والتضرع بإخلاص وصدق، والاعتناء بنوافل العبادات من الصلاة والصيام والصدقة وحج بيت الله الحرام، والصلاة على النبي – صلى الله عليه وسلم-، وغير ذلك من فضائل الأقوال والأعمال التي يراد العلم لأجلها.


(1) – تذكرة السامع والمتكلم (ص13) .
(2) – تذكرة السامع والمتكلم (ص69) .

عن admin

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *